كتب الشيخ محمد سالم المجلسي
بينما أنا في بيتي أقلِّب بعض أوراقي إذ طرق عليَّ الباب شابٌ كان من شأنه أن جعل لي دَورا في قصَّة كان فيها رغم الإبهام إلهام, وكانت بَعد ذلك أجدرَ بالنَّظر والاعتبار من كثير من أوراق المراحل وصفحات الزَّمان.
فتحتُ الباب..ودخل ذلك الشَّابُّ الأبيض ذو الشَّعر الطويل والعينين الزَّرقاوَين, كان طالب علم في بداية العشرينات من عمره, وكنت أعرفه إذ التقينا قبلُ مرَّاتٍ, وحضر دروسا ولقاءات, وكان من حسن ظنِّه يَلتمس الفوائد العلمية ولو في رُبوعيَ الجَدباء, ويحرص على تقييد الأسئلة والأجوبة في ورقات حتَّى لا يشرد عن ذِهنه ما يُفيده..
لكنَّه هذه المرَّة لم يأتِ بورقاته الحافظة, بل جاء وقد رَقَم في ذِهنه شيئا لا يَخشى عليه الشُّرود..حيث ذكر لي أنَّه يُريد الزَّواجَ من امرأة, ويريد مني أن أكون العاقد.
سألتُه عن المرأة وأمرها, لأنِّي لستُ مِقداما على العقود, وإن عقدت فبقيود ثِقال.
ذكر أنَّها ثيِّب لها بنت , ومن دولة أخرى, وأهلُها يَمنعونها الزَّواج به بغير حقٍّ..وأنَّها سافرت من بلدِها لتتزوَّج به في هذه البلاد.
وكان الشَّابُّ على اطِّلاعٍ بأحكام العضل, وعلى قول مَن لم يَشترط الوليَّ خاصَّة في نكاح الثَّيِّب, فكان يُلقي في كلامنا بَذرةً من ذلك ويَسقيها ممَّا اطَّلع عليه, لعلَّنا نَجني من ذلك مُرادَه.
طلبتُ منه الانتظار لعلَّه يُصافح يَدَ مصاهرة تمنع القطيعة والشَّنآن, وذكرت له أنَّ الوقت جزءٌ من العلاج, وأنَّ في التَّأنِّي لُطفا خفيًّا, فمضى الشَّابُّ ووجهه مصبوغ بيأس لم يُخفِه وَعدُه بالتَّأنِّي ودعاؤه بالتَّيسير.
كان يَزورني ويتَّصل عليَّ أحيانا ..ويُخبرني أنَّ أهل المرأة لا يزالون يَرفضون زواجهما, وأنَّ ظروف إقامة المرأة هنا تُحاصرها الصِّعاب, وهي قطعت حبلَ رجاء العودة إلى أهلها بعدَ ما لَقيت منهم من رَفض وأذى, وأتت هذه البلاد التي لا تعرف فيها قريبا ولا بعيدا.
مضت الأيَّام والأسابيع, وخلَف الشَّهر الشَّهر ..فما جاء من أهلِها قَبول..وفي الوقت ذاتِه كان الفتى قد استأجر لها شُّقَّة في العمارة التي فيها شُقَّته, أقامت فيها هي وبنتُها الصَّغيرة..فقرُبت المسافة واقعيا, ووقع الحرج, بعد تَعارف عبر مواقع التَّواصل, كانت تُطوى به المسافات افتراضيا.
ورفعا للحرج وأخذا بالتَّيسير واستجابةً للمقاصد الشرعية تمَّ عقد زواجهما بعد أن اتَّخذتْ وليًّا من طلَّاب العلم..ففرِحا فرَح مَن طلع له سَعد, ولقِيَ حبيبَه على غير وَعد.
قاما بعدُ بزيارتي..وكان الشَّابُّ يحمل البنتَ الصغيرة, فكانت لؤلؤةً مشرقة وزهرةً متفتِّقة بين يَدي ذلك الشَّاب الهادئ هُدوءَ الحصى في الماء الصَّافى.
أخبراني أنهم ذاهبون إلى محظرة في الداخل يرومون الثَّواءَ بها أشهرا للاستزادة من العلوم الشرعية..مع أنهم يُنكرون على أهلها بعض البدع والمعتقدات الفاسدة.
رحلا إلى المحظرة معا.. رحيلَ مَن قال:
ألا ليتنا نَحيا جميعا ببلدةٍ..
وتَبلى عِظامي حينَ تَبلى عظامُها
نكون كما كانَ المُحبُّون قبلنا..
إذا ماتَ موتاها تَجاور هامُها
ثمَّ انقطعت عني أخبارُهما زمنا..وذات يوم حارٍّ كأنَّما تَفحَص شَمسُه الرؤؤس اتَّصلت عليَّ تلك المرأة قائلةً إنَّها في العاصمة, وفي كَربٍ شَديد هي وابنتُها.
وحين زارتنا في البيت قالت لنا بكلام تقطِّعه العبرات الموجعة إنَّ الشَّابَّ طلَّقها, وإنه تركها حاملا, ولم يَعد يتَّصل بها..وذكرت أنَّها وجدت إكراما وإحسانا وإيواءً من أهل قرية المحظرة لن تَنساه لهم, خشِيَت أن يُحبِّب إليها بِدعتَهم ويُكرِّه لها سُنَّة ذلك الشَّاب..وتريد الرُّجوع إلى أهلِها ولا تُريد تكليف الذين آووها في أشهر انتظارها للَفتة رحيمة من ذلك الشَّاب..الذي اتَّصلنا عليه ولم نَجده, ثم علمنا أنَّه سافر إلى بلدِه.
كانت البنت اللطيفة تلعب في زوايا البيت, فتُرسِل لنا ببراءتها حقيقة الإحساس بالمأساة من خلال لذَّة الحياة وقتَ الشعور بالسَّعادة.
كانت الأمُّ تناديها لتَسقيَها من لَبنٍ وُضع بين يديها فتحرص على بسمتها حتَّى في ذلك الجو الحزين..فنستحضر ما بوَّب له البخاريُّ في الأدب المفرد, باب الوالدات رحيمات.
ومن فضل الله وتَيسيره أن أعانها أخوان كريمان, أحدُهما بمال يُعينها ويكون لها زادا في السَّفر, والآخر بتذكرَتَين في الطائرة في أقرب رحلة إلى بلدها.
ولأنَّها أمٌّ لم تَقنَط من رحمة أمِّها رغم الخروج على المعروف وشدَّة المعاندة وطولِ الهجران.. فاتَّصلت عليها مُعتذِرة, وقالت إنها سترجع إليها , فهل سيزول غضبُها؟
فاستبشرت الأمُّ ببنتها وحفيدتها, وقالت: كيف لا أفرح وهذه قطعةٌ مني رجعت إليَّ..لطالما انتظرت هذا اليوم!؟ وزفَّت البُشرى لكلِّ أهلها.
رجعت البنت إلى أهلها, وتفيَّأت ظلالَ حَنانِهم غيرِ المتكلَّف..ووعدوها بقبول زواجها ممَّن ترغب فيه.
فرغم شدَّة الرَّزية وجدت مزِيَّة إدراك رحمة الوالدَين ومُتعة الإحساس بالصلة, وأنَّ حفظَ المتيَقَّن الموجود, خيرٌ مِن طلب المظنون والمفقود
